أغلقت على زوجتي باب المخزن لأن أمي بكت وقالت إنها لم تحترمها. وعند الفجر، فتحت الباب وأنا أتوقع أن أجدها منهارة وتطلب مني السماح، لكن ما رأيته جعل ساقَيّ ترتجفان. كانت الغرفة فارغة. وُضع خاتمها على الأرض، وفوق صندوق خشبي قديم كان هناك فحص حمل، وعلى ظهره كُتب اسم عائلتي بخط يدها المرتجف. اسمي حيدر. وفي تلك الليلة، فعلت شيئًا لا يفعله الرجل المحترم؛ صدقت أمي بدلًا من زوجتي. ومرة أخرى.
بدأ كل شيء أثناء العشاء في منزلنا القديم بمنطقة الأعظمية. كان طبق اللحم البارد لا يزال فوق المائدة، وبجانبه خبز التنور، بينما ملأ الصمت الثقيل المكان كعادته. كانت أمي، أم حيدر، تجلس في صدـ,,ـــر المائدة، وكأن المنزل كله يدور حولها. أما زوجتي سارة، فلم تكن قد تناولت سوى بضع لقيمات. كان وجهها شاحبًا منذ أيام، وتبدو عليها علامات التعب، وكانت تضع يديها فوق بطنها طوال الوقت، وكأنها تخفي ألمًا لا تجرؤ على الحديث عنه.
قالت أمي بحدة: «الشوربة باردة». أخذت سارة نفسًا عميقًا، ثم أجابتها: «لقد سخنتها ثلاث مرات يا خالة، لكنك وصلتِ متأخرة». وضعت أمي الملعقة على المائدة بقوة، ثم فعلت ما اعتادت فعله دائمًا. وضعت يدها على صدـ,,ـــرها، وامتلأت عيناها بالدموع في اللحظة نفسها، ثم نظرت إليّ وقالت بصوت خافت: «هل ترى يا حيدر؟ إنها تهينني في منزلي». وقفت فورًا، وكان الغضب يمنعني من التفكير. لم أستمع إلى سارة، ولم أنتبه إلى الألم الذي ظهر على وجهها أمامي.
قلت لها بحدة: «يكفي. اعتذري لأمي». نظرت إليّ سارة وكأنها لم تعد تعرفني، ثم قالت بهدوء مؤلم: «أمك لا تريد اعتذارًا، بل تريدني أن أختفي». لم أضــ,,ـــــربها، لكن ما فعلته كان أسوأ من ذلك. أمسكت بذراعها وسحبتها نحو المخزن الصغير الموجود أسفل الدرج. كان ذلك المكان ضيقًا، نضع فيه الصناديق القديمة، والكراسي المكسورة، وزينة الأعياد، وكل الأشياء التي لا يريد أحد رؤيتها. قلت لها: «عندما يهدأ غرورك، اخرجي». ثم أغلقت الباب بالمفتاح.
لم تصرخ سارة، وكان هذا أمرًا يجب أن يخيفني. كل ما سمعته من خلف الباب كان صوتها الضعيف والمنكسر وهي تقول: «حيدر، لا تغلق الباب عليّ هنا، أرجوك… ليس اليوم». كانت أمي واقفة خلفي وتبكي بصمت، أما أنا فكنت أتصرف بغباء. قالت وهي تمسح دموعها: «هكذا تتعلم النساء اللواتي يرفعن أصواتهن». أزعجتني جملتها، لكنني لم أفعل شيئًا. ذهبت إلى النوم. وفي منتصف الليل، سمعت صوت ارتطام قوي، ثم صوتًا آخر، وبعدها بدا لي أن شخصًا يجر الصناديق داخل المخزن.
أردت أن أنهض، لكن أمي ظهرت عند باب الممر وهي تحمل كوب الشاي، وقالت بهدوء: «لا تذهب إليها، إنها تحاول التلاعب بأعصابك». شربت الشاي، ولا أتذكر حتى الوقت الذي أطفأت فيه الضوء. في الصباح، استيقظت وفمي جاف، وشعرت بخوف غريب يضغط على صدـ,,ـــري. ركضت نحو المخزن. كانت أمي تجلس في الصالة، مرتبة تمامًا، وشعرها مصفف، وهادئة بدرجة غير طبيعية. قالت: «افتح الباب، ولنرَ إن كانت قد تخلت عن غرورها». أدخلت المفتاح، وكانت أصابعي ترتجف.
فتحت الباب، لكن سارة لم تكن هناك. كانت النافذة أصغر من أن يخرج منها أحد، ولم يكن في الباب قفل آخر. لم أجد أي أثر لما حدث، ولا سمعت صرخة واحدة. كل ما وجدته كان خاتمها على الأرض، وبجانبه فحص حمل إيجابي، وصورة قديمة لي عندما كنت طفلًا، ممزقة إلى نصفين. شعرت بأن الأرض تميد تحت قدمي. قلت بصوت متقطع: «أين ذهبت؟» لم تجبني أمي. دخلت المخزن، وبدأت أزيح الصناديق بعشوائية، ثم رأيت شيئًا.
خلف خزانة خشبية قديمة، كان هناك جدار مخفي، وقد ظهرت عليه خدوش حديثة من الجهة الداخلية. دفعت الجدار، فانفتح ببطء. وخلفه ظهر ممر ضيق، أقسم أنني لم أره طوال حياتي داخل هذا المنزل. كانت رائحة الرطوبة تملأ المكان، ومعها رائحة شمعة انطفأت حديثًا، وكأن سرًا قديمًا ظل مخبأً هناك لسنوات. وعلى الأرض، رأيت بطانية طفل. لم تكن جديدة، وكان اسمي مطرزًا عليها بخيط أزرق باهت: حيدر. تجمدت في مكاني. وخلفي أطلقت أمي أنينًا خافتًا، ثم قالت بسرعة:
«لا تدخل إلى هناك». لكن الوقت كان قد فات. ففي نهاية الممر، وبين صناديق مغلقة بشريط أصفر قديم، سمعت صوت سارة. لم تكن تطلب النجدة… كانت تتحدث مع شخص ما. ثم رد عليها ذلك الشخص بصوت كنت أظن أنه رحل منذ ثلاثين عامًا…