ألقى زوجي كوب الشاي في وجهي أثناء الإفطار، لأنني رفضت أن أعطي أخته بطاقة راتبي. اصطدم الكوب بخدي قبل أن أتمكن من رفع يدي، فابتلت ملابسي ووجهي، وشعرت بإهانة جعلتني عاجزة عن الكلام. أما حماتي، فواصلت دهن المربى على الخبز وكأن شيئًا لم يحدث، ثم قالت ببرود: “لا تبالغي يا أميرة.”….. كنت أقف في المطبخ وأنا أرتجف، وملابسي ملتصقة بجسدي، بينما كانت عيني تؤلمني من أثر الشاي. كان رأفت، زوجي، يقف في الجهة الأخرى من المائدة ويتنفس بغضب، في حين كانت أخته هبة تمسك بمحفظتي وكأنها أصبحت ملكًا لها.
قالت هبة بضيق: “إنها مجرد سلفة بسيطة، وليس الأمر وكأنك لا تملكين المال.” نظرت إليها بصمت. كانت قد وضعت أظافر جديدة، وتحمل هاتفًا أغلى من هاتفي، وتشتري ملابس باستمرار، ومع ذلك لم أرها تدفع شيئًا من مالها الخاص. كانت دائمًا تواجه مشكلة، ودائمًا تحتاج إلى المساعدة، ودائمًا كان رأفت ينظر إليّ وكأن تحمّل كل شيء واجب عليّ. قلت بصوت متعب: “البطاقة باسمي، ولن أعطيها لأحد.” في لحظة واحدة، فقد رأفت أعصابه، ورفع الكوب وألقاه نحوي من دون تردد.
حدث ذلك أمام والدته، وأمام أخته، وأمام ابني الصغير سليم، الذي سقطت قطعة الخبز من يده وبدأ يبكي. صرخ سليم: “أمي!” وكان صوته أصعب عليّ من كل ما حدث. أسرعت إلى الحمام، وفتحت الماء على وجهي. حاولت أن أستوعب ما جرى، فرأيت رأفت واقفًا عند الباب من خلال انعكاس المرآة. لم يأتِ ليعتذر. بل قال بحدة: “انظري إلى ما يحدث بسبب عنادك.” التفتُّ إليه ببطء وسألته: “أنا السبب؟” أجاب بانفعال:
“هبة تمر بظروف صعبة.” ضحكت بسخرية مؤلمة وقلت: “هبة دائمًا تمر بظروف صعبة.” ظهرت هبة خلفه، وقالت: “أنت قاسية جدًا يا أميرة. لا أحد يشعر بالراحة معك في هذا المنزل.” في تلك اللحظة، فهمت حقيقة مؤلمة. لم يروني في هذا المنزل زوجة يومًا. كنت بالنسبة إليهم مجرد مصدـ,,ـــر للمال. أنا من يدفع إيجار الشقة، وأنا من يشتري احتياجات المنزل، وأنا من تحمل تكاليف علاج والدة رأفت. وأنا أيضًا من ساعد رأفت عندما أخبرني أن عمله يمر بأزمة.
حتى حُليّ الذهبية بعتها قطعة بعد أخرى، بحجة أن الظروف مؤقتة. لكن تلك الظروف لم تنتهِ أبدًا. اقتربت حماتي مني وقالت: “أعطيها البطاقة وينتهي الأمر.” أغلقت الماء ببطء، ورفعت وجهي نحوها، ثم قلت: “لا.” شدّ رأفت قبــ,,ـــــضته وقال بغضب: “لا تختبري صبري يا أميرة.” نظرت إليه بثبات، للمرة الأولى منذ سنوات، وقلت: “لقد أهنتني بما يكفي. ماذا تريد أكثر من ذلك؟” ساد الصمت للحظات، بينما استمر سليم في البكاء خارج الحمام.
عندها فقط شعرت أنني استيقظت من شيء ثقيل سيطر عليّ طويلًا. خرجت من الحمام، وحملت ابني، وأمسكت حقيبتي. حاولت هبة انتزاعها مني، لكنني أبعدتها عن طريقي. قال رأفت بلهجة حادة: “هذه الحقيبة لن تخرج من المنزل.” استدرت نحوه وقلت: “إذن اتصل بالشرطة.” تغير وجهه للحظات، ورأيت الخوف في عينيه. لم يكن خوفًا عليّ، بل خوفًا من أمر آخر، أمر لم يكن يريد لأحد أن يكتشفه. خرجت من المنزل وأنا أحمل سليم، وكان قلبي يرتجف.
رأتني إحدى الجارات، لكنها أشاحت بوجهها بسرعة. كان الجميع يعلمون، والجميع يلتزمون الصمت. توقفت أمام صيدلية قريبة، وما إن رأتني الصيدلانية حتى قالت بقلق: “يجب أن تذهبي إلى الطبيب.” أجبتها بإرهاق: “أعطيني كريمًا فقط.” تعلّق سليم بيدي، وسألني بصوت صغير: “هل توقف أبي عن حبك؟” شعرت بغصة مؤلمة في حلقي. انخفضت إلى مستواه، وقلت: “أحيانًا يؤذينا أشخاص يقولون إنهم يحبوننا، وهذا لا يعني أننا يجب أن نبقى معهم.” سألني: “هل سنذهب إلى جدتي؟”
كانت أمي تعيش في الإسكندرية، ولم أخبرها يومًا بما يحدث معي. كنت أشعر بالخجل من الحقيقة، ومن محاولاتي المستمرة لتبرير تصرفات رأفت، ومن كل مرة أقنعت فيها نفسي بأن ما يحدث مجرد أمر عابر. لكن في ذلك الصباح، لم يعد في داخلي مكان للصمت. اتصلت بأمي، فأجابت من الرنة الأولى: “أميرة؟” وبمجرد أن سمعت صوتها، انهار كل ما بداخلي. قلت لها: “أمي… أريد أن أرحل.” لم تسألني عن السبب، بل قالت فقط:
“تعالي، غرفتك جاهزة.” أغلقت الهاتف وأنا أبكي، ثم فتحت تطبيق البنك لإيقاف البطاقة. لكنني تجمدت عندما رأيت ثلاث محاولات سحب مرفوضة، وكلها حدثت بعد خروجي من المنزل بدقائق. كانت هبة وراءها. محاولة من معرض أثاث، وأخرى من متجر أجهزة كهربائية، والثالثة من مكتب لتشطيبات المنازل. شعرت بانقباض في معدتي. وفي اللحظة نفسها، وصلتني رسالة جديدة من رقم مجهول. ترددت قبل فتحها، ثم ضغطت عليها ببطء. كان مكتوبًا فيها: “الأستاذة أميرة، أنت لا تعرفينني، لكنني أنصحك بألا تسمحي لهم باستخدام بطاقتك البنكية اليوم.”
تسارعت دقات قلبي، وأكملت القراءة: “الما. ل الذي يحاولون سحبه لا يخص هبة وحدها، وهناك أمر يخفونه عنك منذ أشهر.”