بعد وفــ,,ـــــاه بابا، قسمنا الورث علينا أنا وإخواتي، وكل واحد أخد حقه، لكن جوزي لما عرف إني اديت جزء من نصيبي لماما، اتخانق معايا وطلب مني أرجّع الفلوس كلها… ولما رفضت، فاجأني بحاجة ما كنتش أتوقعها أبداً! كان البيت لسه ريحته طالعة بخور وسدر، والناس رايحة جاية تعزّي، وأنا قلبي مقسوم نصين على فراق أبويا. الراجل اللي طول عمره شايلنا وما حرمناش من حاجة. خلصت أيام العزا، وقعدنا مع بعض إحنا الإخوات عشان نوزع الورث زي ما ربنا أمر، وكل واحد ياخد نصيبه بشرع الله.
طلع نصيبي من الخير اللي سابه أبويا اتنين مليون جنيه. رقم يزغلل العين، بس بالنسبة لي ما كانش يسوى ظافر من أظافر أبويا الله يرحمه. قعدت مع إخواتي، واتفقنا كلنا إننا مش هننسى أمي. الست دي شالت كتير وطفحت الكوتة عشان تكبرنا، وكانت دايمًا سند لينا. طلعنا كل واحد جزء من نصيبه، وتجمع مبلغ حلو، واديت أمي نصيبها عشان تتأمن وتعيش مستورة وما تحتاجش لحد. طلع نصيبها من المبلغ ده كله 150 ألف جنيه من تحت إيدي، والباقي شلته في بنكي.
رجعت الشقة ومحيط وشي باين عليه التعب، لكن جوايا كان في إحساس بالراحة. كنت حاسة إني عملت حاجة بسيطة لأمي، ورديت لها جزء صغير من اللي عملته عشاني طول عمرها. أول ما دخلت، لقيت جوزي مستنيني. بصلي من فوق لتحت وقال: “إنتِ كنتِ فين؟” قلت له: “كنت عند إخواتي بنقسم الورث.” سكت شوية، وبعدين سألني: “نصيبك طلع كام؟” قولت له: “اتنين مليون.” ملامحه اتغيرت فجأة، وقال: “اتنين مليون؟!” ضحكت وقلت:
“آه.” قال وهو بيقرب مني: “طب الفلوس فين؟” استغربت سؤاله وقلت: “في البنك.” اتنهد وقال: “كويس… أنا كنت عامل حسابي عليهم.” وقفت مكاني وقلت: “عامل حسابك عليهم إزاي؟” قال بكل ثقة: “هنعمل بيهم المشروع اللي اتكلمنا عليه قبل كده.” بصيت له باستغراب: “إحنا اتكلمنا إننا نعمل مشروع، بس أنا ما قلتلكش إن الفلوس كلها هتبقى تحت تصرفك.” هنا صوته علي وقال: “يعني إيه؟ دي فلوس جوزك برضه!” رديت بهدوء: “لا، دي فلوس ورثتها من أبويا. ومن حقي أقرر أعمل بيها إيه.”
سكت لحظة، وبعدين سأل: “إنتِ صرفتي منها؟” قلت: “أيوه.” اتنفض من مكانه: “صرفتي كام؟!” قلت له: “اديّت ماما 150 ألف.” وشه اتقلب، وقال: “إنتِ اديتي أمك 150 ألف من غير ما ترجعيلي؟!” قلت: “دي فلوسي وأنا حرة فيها.” قال بعصبية: “لا، ترجعيهم فورًا! أنا عامل حسابي على كل جنيه في الفلوس دي، حتى الـ150 ألف اللي اديتيهم لأمك.” وقتها حسيت إن الكلام مش مجرد خلاف على فلوس… حسيت إن جوزي نسي تمامًا إن دي فلوس أبويا، وإن أمي ليها حق عليّ، وإنه مش من حقه يقرر مصير ميراثي.
قلت له: “الـ150 ألف دول أمي أخدتهم، ومش هرجعهم. وأنا كمان مش هديك المليونين عشان تعمل مشروع من غير ما أكون مقتنعة.” سكت، لكن نظرته كانت بتقول إن الموضوع مش هينتهي هنا. وبالفعل، في اليوم التالي، حصلت حاجة قلبت الموضوع كله… صحيت على صوت جوزي بيتكلم في التليفون، وكان بيقول: “أنا خلاص هتصرف… الفلوس هتكون معايا، ومفيش مشكلة.” خرجت من الأوضة ووقفت وراه. أول ما شافني قفل المكالمة بسرعة. قلت له:
“كنت بتكلم مين؟” قال: “ملكيش دعوة.” قلت: “لأ، ليا دعوة… خصوصًا بعد ما سمعتك بتتكلم عن فلوسي.” بدأ يتوتر، وبعد شوية اعترف إنه كان بالفعل بدأ يتفق مع شخص على مكان المشروع، وكان معتبر إن المبلغ خلاص بقى تحت تصرفه. وقتها فهمت إن الموضوع أكبر من مجرد حلم مشروع. هو كان شايف إن فلوسي حق مكتسب ليه لمجرد إني مراته. مسكت تليفوني واتصلت بأخويا الكبير وحكيت له كل اللي حصل.
رد عليّ بكلمة واحدة: “إنتِ ما غلطتيش.” وبعدها قال لي: “الفلوس اللي ورثتيها دي حقك، وإنتِ اللي تقرري تعملي بيها إيه. ولو عايزة تساعدي ماما، دي حاجة تخصك.” قفلت معاه وأنا لأول مرة من ساعة وفــ,,ـــــاه بابا أحس إني مش لوحدي. دخلت لجوزي وقلت له بهدوء: “أنا مش ضد إننا نعمل مشروع، ومش ضد إننا نساعد بعض، لكن أنا ضد إنك تعتبر فلوسي بتاعتك من غير موافقتي.” سكت. كملت: “أنا ممكن أشارك معاك بجزء من الفلوس، بشرط إن المشروع يبقى واضح، وكل حاجة مكتوبة، والفلوس تفضل تحت سيطرتي لحد ما أتأكد إن المشروع مضمون.”
بصلي فترة طويلة، وبعدين قال: “يعني مش هتديني الفلوس كلها؟” قلت: “لا.” “والـ150 ألف لأمك مش هترجعيهم؟” قلت: “ولا جنيه.” فضل ساكت، وبعدها خرج من البيت. قعدت لوحدي وأنا بفكر في كل اللي حصل. الفلوس كانت كتير فعلًا، لكن أبويا علمني طول عمره إن الفلوس ممكن تروح وتيجي، إنما الكرامة والحق لو ضاعوا صعب يرجعوا. ومن يومها قررت إن ميراث أبويا مش هيكون سبب في خراب بيتي، وفي نفس الوقت مش هسمح لأي حد ياخد حقي أو يفرض عليّ أتصرف فيه إزاي.
وبعد كام يوم، رجع جوزي وقعد قدامي، وقال: “أنا آسف… أنا غلطت لما اعتبرت الفلوس حقي.” بصيت له وقلت: “أنا مش عايزة اعتذار بس… أنا عايزة ثقة واحترام.” ومن وقتها بدأنا نتفق على كل حاجة مع بعض، وكل جنيه دخل في المشروع كان باتفاق واضح بينا. أما أمي، فالـ150 ألف فضلوا معاها، وكانت أول مرة أشوف الفرحة في عينيها من بعد وفــ,,ـــــاه بابا. ساعتها فهمت إن أبويا وهو سايب لنا ورث، ما كانش سايب لنا فلوس وبس… كان سايب لنا اختبار.
والأهم من قيمة الميراث، كان مين هيحترم حقي، ومين هيحاول ياخده مني بحجة إنه “جوزي”.
