
عندما رمى أخي شيك المليون دولار في وجهي أمام المعزّين، وقال إن هذا ثمن سنوات خدمتي لأبي ولا يريد رؤيتي ثانية، لم أغضب. ابتسمتُ بهدوء، طويتُ الشيك، ووضعتُه في جيبي. قدتُ سيارتي القديمة عائدًا إلى بيتي الريفي، وأنا أشعر بثقلٍ انزاح عن كاهلي. بعد أسبوع، أظهر هاتفي ثمانية عشر اتصالًا فائتًا من أخي.. حينها أدركتُ أن “الهدية” التي تركها لي أبي قد بدأت مفعولها.» طوال ثلاثين عامًا، كانت الأدوار مقسمة بدقة.
يوسف، أخي الأكبر، هو “الواجهة”. الرجل الذي يرتدي بدلات إيطالية، يقود سيارات ألمانية، ويدير إمبراطورية أبي التجارية من مكتبه الزجاجي في قلب المدينة. أما أنا، فكنتُ “الظل”. الابن الذي اختار أن يظل بجانب أبي عندما أصيب بالشـ,ـلل. أنا من كنتُ أعرف مواعيد دوائه، ونوع الطعام الذي يغصّ به، والقصص التي يكررها ألف مرة دون أن أملّ. يوسف كان يزورنا مرة في الشهر. يترك عطرًا غاليًا وسؤالًا عابرًا: — «هل يحتاج العجوز شيئًا؟»
ثم يغادر قبل أن تلامس يده يد أبي. كنتُ أرى نظرة أبي كل مرة يغلق فيها الباب خلف يوسف. نظرة لا تشبه الغضـ,ـب… بل تشبه الخيـ,ـبة الصامتة. عندما توفـ,ـي أبي، لم يبكي يوسف. كان مشغولًا بتنظيم جنازة تليق بـ “مركزه الاجتماعي”. عدد المعزين، أماكن الوقوف، الزهور، أسماء الشخصيات المهمة. كل شيء كان محسوبًا… إلا أبي. وفي لحظة انكـ,ـسار الضوء بعد الدفن، اقترب مني بينما كانت العيون تراقبنا. أخرج دفتر شيكاته، وقّع بسرعة، ورمى الورقة على صدري.
قال بصوتٍ مسموع للجميع: — «مليون دولار. هذا مقابل الثلاثين سنة التي ضاعت من عمرك وأنت ممرض لأبي. خذها، وابنِ لنفسك حياة بعيدة عنا. لا أريد لمدرس بسيط مثلك أن يحرجني أمام شركائي بعد الآن.» لم أسمع همهمة المعزين، ولا شهقة عمتي، ولا حتى دقات قلبي. نظرتُ إلى الورقة. إلى الرقم. ثم إلى وجهه المتغطرس. ابتسمت. ابتسامة صغيرة، هادئة، بلا غضب. الابتسامة التي جعلته يشيح بوجهه بثقة المنتصر، غير مدرك أنها لم تكن استسلامًا…
بل وداعًا. عدتُ إلى البيت الذي ما زال يحتفظ برائحة أبي. البيت الذي لم يدخله يوسف إلا ضيفًا ثقيلًا. دخلتُ غرفة أبي. جلستُ على سريره الفارغ. وللمرة الأولى منذ ثلاثين عامًا، شعرتُ بالصمت يعلو على الألم. نظري توقف عند الخزانة الصغيرة في الزاوية. تلك التي كان أبي يغلقها دائمًا، وتلك التي كان يمنع يوسف من لمسه لا حول ولا قوه الا بالله.


