خرجت من الطرقة وهي بتظبط طرحتها على شعرها، وأول ما شافتني وقفِت مكانها. اتسعت عينيها وبصت لي، وبعدين بصت لكريم، وكأنها كانت بتحاول تستوعب إزاي إحنا الاتنين واقفين قدام بعض في اللحظة دي. قالت بصوت مرتبك: منى… إنتي هنا؟ بصيت لها وقلت بهدوء: أيوه يا نجلاء، جيت أطمن عليكي وأجيبلك تورتة وفطير. بس واضح إني جيت في وقت مش مناسب. كريم اتدخل بسرعة: منى، استني واسمعيني الأول. رفعت إيدي وقلت:
مش عايزة أسمع أي حاجة دلوقتي. وبعدين بصيت لنجلاء وقلت: هو كان بيقول لي إنه مسافر شغل كام يوم، وأنا كنت فاكرة إن ربنا يعينك على وحدتك بعد وفاة جوزك. مكنتش أعرف إن سفره كان لحد هنا. نجلاء وشها اصفر وقالت: والله يا منى الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة. ضحكت ضحكة قصيرة من غير ما يكون فيها أي فرحة: الغريب إن كل الناس لما بتتزنق بتقول الجملة دي. كريم قرب خطوة:
منى، أقسم لك مفيش بيني وبين نجلاء حاجة. أنا فعلاً كنت جاي أصلح لها الحوض، وهي كانت محتاجة مساعدة. بصيت للقميص اللي لابسُه، نفس القميص اللي كويتهوله الصبح، وبعدين قلت: الحوض كان محتاج إنك تغير هدومك عشانه؟ سكت. نجلاء نزلت عينيها في الأرض. هنا فهمت إن فيه حاجة أكبر من مجرد حوض بايظ. دخلت خطوة واحدة جوه الشقة، ووقفت أبص حواليا. الصالون كان مرتب، لكن على الترابيزة كان فيه كوبين قهوة لسه سخنين.
بصيت لهم، وبعدين بصيت لكريم. قلت: واضح إن تصليح الحوض كان طويل أوي. كريم اتوتر وقال: منى… قاطعتُه: متقولش اسمي. وحطيت التورتة والأكياس على أقرب ترابيزة وقلت لنجلاء: دي كانت ليكي. خديها. وبعدين خلعت إيدي من كيس الفطير وحطيته جنبها. قلت: أنا جيت أهون عليكي بعد وفاة جوزك، لكن شكلي كنت محتاجة حد يهون عليا أنا. كريم حاول يمسك إيدي، لكني رجعتها بسرعة. قلت له: متلمسنيش. لأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
قال: إنتي فاهمة غلط. رديت: يمكن. وسكت شوية قبل ما أضيف: بس أنا مش هحكم عليك من اللي شوفته هنا. أنا هحكم عليك من اللي هتعمله لما ترجع البيت. خرجت من الشقة من غير ما أسمع ردهم. طول الطريق للبيت، كريم كان بيرن عليا. مرة. واتنين. وعشرة. لكن مكنتش برد. لما وصلت، لقيته واقف قدام باب الشقة مستنيني. قال: منى، بالله عليكي اسمعيني. فتحت الباب، ودخلت، وحطيت شنطتي على الترابيزة.
وقلت: عندك خمس دقايق. دخل ورايا وقفل الباب. بص لي فترة طويلة، وبعدين قال: أنا غلطت إني كذبت عليكي. قلت: دي أول حاجة صح قلتها من ساعة ما فتحتلي نجلاء الباب. اتنهد وقال: أنا مكنتش بخونك. بصيت له باستغراب: طيب ليه كنت عندها؟ سكت. قلت: الوقت بيخلص يا كريم. رفع عيني وقال: عشان نجلاء طلبت مني مساعدة في حاجة تخص جوزها. قلبي دق بسرعة. قلت: تخص جوزها إزاي؟ قال: قبل ما يمو.ت، ساب لها حاجة مهمة جدًا… وأنا الوحيد اللي كنت عارف مكانها.
وقفت مكاني. قلت: إيه الحاجة دي؟ كريم قرب من الترابيزة، وطلع موبايله، وفتح رسالة قديمة. مد الموبايل ناحيتي. قرأت الرسالة مرة. وبعدين مرة تانية. وكانت الصدمة إن الرسالة كانت من جوز نجلاء قبل وفاته بيوم واحد، ومكتوب فيها: “يا كريم، لو جرالي حاجة، متقولش لنجلاء الحقيقة إلا لما تتأكد إنها لوحدها… والورق موجود في المكان اللي اتفقنا عليه.” رفعت عيني لكريم وقلت: يعني إيه “الحقيقة”؟ كريم بص لي وقال بصوت منخفض:
الحقيقة إن جوز نجلاء مامتش بسبب حادث عادي زي ما كل الناس فاكرة… وإن اللي حصل من يومها كان بداية سر أكبر بكتير مما تتخيلي. وفي اللحظة دي، رن موبايل كريم. بص للشاشة، واتغير وشه تمامًا. قلت: مين؟ قال: نجلاء. رد على المكالمة. لكن قبل ما يقول أي كلمة، سمعنا صوت نجلاء ناحية التانية وهي بتصرخ: “كريم… متقولش لمنى أي حاجة! هو عرف إنكم وصلتم للورق!” وسكتت لحظة. وبعدين قالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:
“اهربوا… قبل ما ييجي لكم.”
